الكاتب: د. ربحي دولة
في أحلك الظروف التي مرّت بها القضية الفلسطينية، تتجدد ذكرى انطلاقة حركة التحرير الوطني الفلسطيني – فتح، لتؤكد من جديد أنها لم تكن يومًا مجرد تنظيم سياسي، بل إطارًا وطنيًا جامعًا حمل همّ الشعب الفلسطيني وصاغ ملامح مشروعه التحرري. فقد انطلقت فتح من وعي شبابي ثائر آمن بالحرية ورفض الاستسلام، واستطاعت أن تحوّل هذا الوعي إلى فعل وطني شامل، جسّد الثورة باعتبارها فعل مقاومة، وبناء وطني، وثقافة جامعة، شارك فيها المناضل والمثقف والمعلم والطبيب، وكل فلسطيني آمن بحقه في وطن حر.
منذ بداياتها، أعادت فتح الاعتبار للهوية الوطنية الفلسطينية، وانتشلت القضية من محاولات التهميش، وأعادت وضعها في صدارة الاهتمام العربي والدولي. وشكلت مرحلة الكفاح المسلح محطة مفصلية في تاريخ النضال الفلسطيني، حيث قادت فتح منظمة التحرير الفلسطينية نحو ترسيخ مكانتها ممثلًا شرعيًا ووحيدًا للشعب الفلسطيني، وانتزعت الاعتراف الدولي بحق شعبنا في النضال من أجل الحرية والاستقلال.
وفي المنافي، ولا سيما في لبنان، كانت فتح في قلب المعاناة الفلسطينية، تدافع عن المخيمات، وتواجه الحصار والمجازر، وتدفع أثمانًا باهظة دفاعًا عن شعبها، من تل الزعتر إلى صبرا وشاتيلا وسواها من محطات الألم. ومع الخروج من بيروت عام 1982، انتقلت الحركة إلى مرحلة سياسية جديدة، تُوّجت بإعلان الاستقلال عام 1988، ثم بعودة القيادة إلى أرض الوطن وتأسيس السلطة الوطنية الفلسطينية، بما حملته تلك المرحلة من مسؤوليات جسيمة في ظل الاحتلال والقيود المفروضة عليه.
لقد دفعت حركة فتح ثمن هذه المسؤولية الوطنية، حصارًا واستهدافًا وتنكرًا للاتفاقات، وضغوطًا سياسية واقتصادية متواصلة. ومع ذلك، واصلت دورها في حماية المشروع الوطني، وتعزيز صمود الشعب الفلسطيني، وقيادة النضال السياسي في مواجهة محاولات الإخضاع والتهجير. وفي الداخل، واجهت الحركة حملات تشويه ممنهجة، استهدفت دورها ومكانتها، إلا أنها بقيت صامدة بفضل تاريخها، وعمقها الشعبي، وقدرتها على التماسك والتجدد.
واليوم، وبعد أكثر من ستة عقود على انطلاقتها، تبرز الحاجة إلى تغيير متوازن داخل حركة فتح، تغيير لا يقوم على الإقصاء أو القطيعة مع التجربة التاريخية، بل على دمج الأجيال واستيعاب الطاقات كافة. فالتحديات الراهنة تتطلب تجديدًا في الأدوات والأساليب، وتحديثًا في الخطاب السياسي، بما ينسجم مع التحولات الوطنية والإقليمية والدولية، دون التفريط بالثوابت التي شكّلت جوهر المشروع الفتحاوي.
إن دمج جيل الشباب في مواقع المسؤولية، وإشراكهم في صنع القرار، يمثل ضرورة وطنية، لا بد أن تتم في إطار تكاملي مع خبرة الأجيال التي راكمت التجربة وخاضت محطات النضال المختلفة. فالقوة الحقيقية لفتح تكمن في قدرتها على الجمع بين حكمة التجربة واندفاع الشباب، وبين الذاكرة الثورية وروح العصر، بما يضمن استمرارية الحركة ودورها القيادي.
في ذكرى انطلاقتها، تتطلع جماهير فتح وأبناء شعبنا إلى مرحلة جديدة من العمل الوطني، عنوانها الوحدة الداخلية، واستيعاب الجميع، وتجديد الدماء دون كسر الأعمدة التي حملت المشروع الوطني لعقود. ففتح، بتاريخها وتضحياتها، كانت ولا تزال ركيزة أساسية في النضال الفلسطيني، وقوتها الحقيقية تكمن في قدرتها على التطور من داخلها، وفاءً للثورة، وحفاظًا على الوطن، واستجابةً لرهانات المستقبل.